bicusa.org/westdelta
مشروع فيه مشكلة
مشروع الري في منطقة غرب الدلتا
مركز معلومات البنك لم يعد يعمل على هذا المشروع.
ومنذ ستينيات القرن المنصرم، عملت مصر على تنفيذ برنامج طموح لاستصلاح الأراضي الصحراوية الواقعة غرب منطقة دلتا النيل الخصبة بين محافظتي القاهرة والإسكندرية. أما في وقتنا الحاضر، فتعتبر منطقة غرب الدلتا مركزا للأثرياء من المصريين والذين يمتلكون عزبا كبيرة ومزارع تجارية شاسعة تعمل على تصدير الفواكه ومنتجات أخرى للأسواق الأوروبية المربحة.
وفي الوقت الذي أثبت برنامج استصلاح الأراضي ارتفاع معدلات أرباحه بشكل كبير للمستثمرين، إلا أن البرنامج تسبب أيضا في تفريغ مخزون المياه الجوفية مما يضع البرنامج برمته في وضع خطر. وقد توقعت مجموعة من كبار العلماء حدوث هذا السنياريو والذين تم تجاهل توقعاتهم بصورة صرفة.
ومع الانخفاض المستمر لمعدلات المياه الجوفية من حيث الكم والنوع، فإنه قد تم اقتراح تنفيذ مشروع غرب الدلتا لإنقاذ هؤلاء المستثمرين من أزمتهم من خلال توفير المياه عبر أنابيب سطحية من مياه النيل. وفي شهر يونيو 2007م، وافق البنك الدولي على قرض بمقدار 145 مليون دولار أمريكي لتمويل عملية إنشاء الأنابيب السطحية وشبكة الربط الخاصة بالمشروع لتوفير إمدادات المياه اللازمة للمزارع التجارية في منطقة غرب الدلتا.
الترويج المفرط للفوائد الوظيفية، والتقليل من شأن الخسائر
إن واحدة من النقاط الرئيسية للترويج للمشروع، بحسب ما ورد عن البنك الدولي، هو أن المشروع سيؤدي إلى إيجاد آلاف الفرص الوظيفية الجديدة للعاملين على المزارع التجارية. إلا أن الأمر– وبخلاف ما يدعيه المروجين لهذا المشروع من أن عملية استصلاح المزيد من الأراضي في منطقة غرب الدلتا ستوفر فرصا وظيفية كبيرة – فإن استخدام التكنولوجيا الحديثة في المشروع من المتوقع أن يحد من عدد الفرص الوظيفية الجديدة التي سيوفرها المشروع.
وبدلا من ذلك، فإن هناك مخاوف حقيقية من أن تحويل مياه نهر النيل سيتسبب بآثار سلبية كبيرة على معايش الآلاف من صغار المزارعين في المناطق الزراعية الخصبة في منطقة دلتا النيل الواقعة شمال منطقة المشروع، والذين يعتمدون على نهر النيل بدرجة رئيسية لري أراضيهم. وقد عبرت منظمات المزارعين المختلفة عن مخاوفها من أن الفقراء من المزارعين في الأراضي القديمة لمنطقة دلتا النيل قد يجدون أنفسهم مجبرين على التخلي عن أراضيهم الزراعية والعمل كعمال في منطقة غرب الدلتا وذلك إن لم يتمكنوا من الحصول على ما يكفي من المياه لري أراضيهم.
تفضيل الصادرات على السلع الرئيسية
يمكن أن يتسبب المشروع أيضا بعواقب مزعجة على الأمن الغذائي في مصر، حيث يتوقع البنك الدولي حدوث انخفاض في مقدار الإنتاج الزراعي في الأراضي القديمة شمال منطقة المشروع نتيجة لتحويل مياه نهر النيل باتجاه الأراضي الصحراوية. وتمثل منطقة دلتا النيل الأرض التقليدية للبلاد الخاصة بإنتاج الحبوب، حيث تنتج الغالبية العظمى من السلع الاستهلاكية الرئيسية التي يتم زراعتها محليا مثل القمح والأرز ومحاصيل أخرى.
إن هذه القضية تعتبر هامة وحساسة على وجه الخصوص في ضوء الأزمة الغذائية الحديثة والتي كان لها الأثر الواضح على شريحة الفقراء في مصر، والتي تعتبر أكبر بلد مستورد للقمح في العالم، حيث تسبب السعر المتزايد للخبز في حدوث مظاهرات شعبية. ومع بداية الأزمة الغذائية العالمية، أشار رئيس مجموعة البنك الدولي روبرت زوليك إلى أن مصر تعد واحدة من أكثر دول العالم عرضة للتأثر من الارتفاع المستمر لأسعار السلع الغذائية الرئيسية.
إن الحاجة الملحة لتعزيز الأمن الغذائي في مصر يثير تساؤلات حول أولويات البنك الدولي في تمويل المشروع. وفي الوقت الذي تضغط فيه الأسعار المرتفعة للمواد الغذائية على حياة الأسر الفقيرة، فإن المشروع سيجلب النفع بدرجة رئيسية للأثرياء من المستثمرين في منطقة غرب الدلتا والذين تذهب منتجاتهم للتصدير على حساب صغار المزارعين الذين يمولون السوق المحلية.
وفي خضم دفاعه عن المشروع، يشدد البنك الدولي بأن موجة التمدن بدأت فعليا بتقليل حجم الأراضي الزراعية على طول نهر النيل، وبالتالي فإن ذلك يتطلب استهلاك مياه أقل للري مما يتيح توفر مياه أكثر لتحويلها لصالح الأراضي المستصلحة. غير أن كميات المياه التي يتوقع البنك الدولي أن يتم توفيرها ستكون نتيجة العمران المستمر في الأراضي الزراعية الموجودة على طول نهر النيل، والذي يعد أمرا غير قانونيا بحسب القانون المصري. وباستخدام هذا الأمر كمبرر للمشروع، فإن البنك الدولي يجيز بالفعل هذه الممارسات العمرانية، والذي يسهم في تخريب الأراضي الزراعية الخصبة ويفاقم من مشكلة تلوث مياه نهر النيل.
هل سيسهم المشروع في التخفيف من الفقر؟
باعتبار أن المستفيدين من المشروع سيكونون من المستثمرين ذوي رؤوس الأموال الكبيرة، فقد شكك مناصري قضايا المجتمع المدني في مبادئ البنك الداعية للتخفيف من الفقر بهدف السعي وراء تنفيذ هذا المشروع. وقد أشار البعض إلى أن البنك الدولي قد دفع الحكومة العام الماضي إلى إقرار قانون مثير للجدل يسمح للقطاع الخاص بإدارة وملكية أنظمة الري، مما يتيح المجال لتبني مشروع غرب منطقة الدلتا كشراكة بين القطاعين العام والخاص. ويمثل هذا الأمر تغيرا غير مسبوق في مصر، حيث ظل نظام الري لنهر النيل تحت الإدارة الحازمة للحكومة على مدى الآلاف من السنين.
وفي الحين الذي تعهدت الجهات الحكومية بأن نظام الري الخاص بالأراضي القديمة لمنطقة دلتا النيل سيظل تحت أيدي الدولة، فإن التغيير القانوني ومشروع غرب الدلتا بحد ذاته يشكلان سابقة جديدة فيما يتعلق بتوفير المياه في مصر الأمر الذي يأمل البنك الدولي أن يتكرر في أماكن أخرى في البلاد. وسيظهر في المستقبل ما إذا ستنجح هذه الطريقة الجديدة في ضمان توفير المياه للفقراء من الناس في الوقت الذي تواجه فيه البلاد ضغطا مستمرا على مواردها المائية.