إشتعال الأسعار.....والمعالجة بوصفات البنك الدولي
20 February 2008
ما هي الأسباب الرئيسية وراء إشتعال أسعار السلع الرئيسية في اليمن؟ وما هو تأثير السياسات الإقتصادية التي تتبعها حكومة اليمن بناءاً على نصائح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على مشكلة الفقر في اليمن؟
يشرح د. يحي صالح محسن- في هذا المقال الذي تم نشره يوم 14 فبراير 2008 في جريدة الثوري اليمنية- العلاقة بين "الروشتة" الإقتصادية التي قدمها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والمطبقة في اليمن، وإرتفاع نسبة الفقر بين السكان.
اشتعال الأسعار ... والمعالجة بوصفات البنك الدولي
د. يحيى صالح محسن - اليمن
لا أحد ينكر بأن هناك أسباب عالمية في ارتفاع أسعار المواد الغذائية ، ربما تتمثل أهمها في مساعي الدول الصناعية المتقدمة إلى البحث عن مصادر بديلة للطاقة ، خاصة بعد تصاعد الأسعار العالمية للنفط ، إذ قلصت هذه الدول من إنتاجها لبعض أنواع الحبوب واستبدلتها بمحاصيل أخرى تساعد على إنتاج الإيثانول البيولوجي كأحد بدائل الطاقة ... الأمر الثاني، وهو الأهم ، يتمثل في التزام الدول لمتقدمة بتنفيذ اتفاقيات منظمة التجارة العالمية(م ت ع) وإنهاء الدعم الذي تقدمه تلك الدول للإنتاج الزراعي ولتصدير المواد الغذائية . الأمر الذي أدى إلى رفع أسعار المواد الغذائية عالمياً ربما إلى حوالي 15% ، وهو أمر متوقع حدوثه من سنوات ونبهت إليه منظمات دولية بما فيها م ت ع للمخاطر المتوقع حدوثها على الدول النامية والأقل نمواً التي تسمى "دول مستورد صافي للغذاء.
ولكن السؤال هنا هو : مقابل الالتزام بتنفيذ اتفاقيات م ت ع، والمساعي التي تقوم بها حكومتنا للإنضمام إلى منظمة التجارة العالمية هناك استثناءات ومعاملة خاصة ومساعدات فنية ومادية تقدمها المنظمة للبلدان الأقل نمواً ومنها بلادنا ... فهل لليمن حصة من هذه الاستثناءات ؟ ولا بد أن أشير هنا إلى أن الحكومة اليمنية قد ضربت بعرض الحائط كل التحذيرات ، وتحذيرات م ت ع ذاتها منذ سنوات عديدة بأهمية وضرورة الإسراع بعمليات التكيف المؤسسي والاقتصادي بصورة متوازية إلى جانب مفاوضاتها للإنضمام إلى م ت ع ، في حين سلكت الحكومة طريقاً واحداً وسياسة أحادية الجانب تقتصر على المفاوضات ليس إلا دون إجراء أي من الإصلاحات في البنى التحتية والمؤسسية... الموضوع هنا له علاقة مباشرة وغير مباشرة بالأسعار وهو موضوع متشعب ويطول الحديث عنه.
الحقيقة أن الأسعار العالمية وخاصة أسعار القمح قد تضاعفت خلال سنة تقريباً ، لكن أسعار بعض السلع والمواد الغذائية الأخرى زادت فقط بنسب قليلة ومتباينة حوالي 15% - 20%... والسؤال هو هل كان إرتفاع الأسعار في اليمن أو على المستهلك اليمني بنفس نسبة الارتفاع العالمي ... الإجابة بالطبع لا ، فهناك مبالغة واضحة وابتزاز من قبل التجار والمستوردين بسبب فوضى السوق وغياب الرقابة ... وحسب ما جاء على لسان رئيس غرفة عمليات الأسعار لعموم الجمهورية في وزارة التجارة والصناعة ، المنشور في صحيفة "التجمع" 4 فبراير 2008م ، "بأن الدولة لم تقم بأية معالجات ، إنما نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً" ، وهذا ما ينطبق حسب قوله على وزارة التجارة والصناعة ، وأنه منذ تشكيل الحكومة الجديدة عقدت الوزارة إجتماعات كل يوم أو يومين مع ممثلي التجار لدرجة أن بعضهم ابدوا إنزعاجهم بأنهم ليسوا موظفين مع الوزارة ... ومع كل هذا لم تتمخض عن كل تلك الاجتماعات أية خطوات عملية ... بل أن رئيس غرفة عمليات الأسعار أشار إلى "أن وزير التجارة وللأسف في بعض الأوقات، يبرر للتجار ولارتفاع الأسعار في تصريحاته الصحفية ..." كما أضاف أنه من بين 22 ألف مخالفة من مخالفات التلاعب بالأسعار وبالأوزان وبالجودة والنوعية والغش التجاري لم تأخذ النيابات على مستوى الجمهورية إلا بحوالي 5 آلاف حالة .." ولا ندري كم أحيل من هؤلاء إلى المحاكم !!! نحن هنا نتساءل وكل الناس يتساءلون أين ذهبت كل تلك الوعود والتوجيهات الرئاسية والحكومية بضبط الأسعار والمتلاعبين بها !!! وبالعكس من ذلك تُفاجئنا الحكومة بنوايا تنفيذ " جرعة " جديدة تخفض الأجور بنسبة 1,6 % من إجمالي الناتج المحلي وإنهاء الدعم عن المشتقات النفطية خلال عامين إلى (2010م) ورفع نسبة ضريبة المبيعات إلى 10 % حتى 2009 ، إضافة إلى تقليص الزيادة في رواتب وأجور الموظفين والعاملين ... بحسب روشتة أو وصفات البنك الدولي الذي في الوقت نفسه توقع زيادة مساحة الفقر بنسبة 9,2% عند تنفيذ هذه الجرعة ... ولا ندري لماذا يصر البنك وصندوق النقد الدوليان مع حكومتنا التي لا تعترض أبداً ، دون بقية حكومات البلدان النامية ، بشهادة البنك الدولي نفسه ، وتتجاوب وتنفذ دائماً روشتات البنك دون إنتقاص.
لماذا تقبل حكومتنا ، ودون نقاش كل ما يملى عليها من " إصلاحات " البنك الدولي والتي تتركز أصلاً في تخلي الحكومة عن مسئولياتها وواجباتها الاجتماعية من حيث تقليص الإنفاق على التعليم / الصحة / مخصصات دعم الغذاء الأساسي / الخدمات الاجتماعية ... الخ ؟؟؟
لماذا ينتقي البنك الدولي في إصلاحاته الحلقة الضعيفة والمتيسر تنفيذها ، أي فقط تلك السياسات التي يقع عبؤها الكامل على كاهل الشريحة الواسعة من الفقراء وذوي الدخل المحدود ؟؟؟ والمقصود هنا هو غياب العدالة في توزيع أعباء الإصلاحات التي يفترض أن تتحملها الشرائح الأكثر غنى والأكثر دخلاً .
لماذا لا يركز البنك الدولي في برامجه الإصلاحية على مكافحة الفساد المتفشي كالسرطان الذي يستنزف المليارات من موارد هذا الشعب ؟ إذ أن لدي البنك من وسائل الضغط ما يمكنه من حصر امتداداته وتحجيم رموزه وكشف آلياته ... نحو كبح عمليات انتشاره وتقليص مساحته.
مثل هذا السياسة كفيلة ولا شك بتوفير الكثير من الموارد للتنمية والإصلاح الاقتصادي – الاجتماعي ... إن ابتعاد البنك الدولي المقصود عن معالجة البؤر الحقيقية المتسببة في تفشي الفقر والبطالة والفساد وإهدار الموارد ... يدعونا إلى الشك في طبيعة وجدية مهام البنك الدولي .
الكثير يتساءلون لماذا البنك الدولي ، في وصفات إصلاحاته لعدد كبير من البلدان ، لا يزال يتمسك منذ عشرات السنين بتكرار وصفاته النمطية التقليدية ، برغم التطورات والمتغيرات من زمن لآخر وبرغم التباينات من بلد لآخر ؟ أهو تكلس أم تكاسل في البحث عن وسائل أخرى أكثر نجاعة وجدية ؟
إن هناك العديد من المثالب على برامج البنك الدولي التي تدعو إلى الاستغراب .. بل وأحياناً إلى الامتعاض جراء بعض السياسات التي ربما تقترب إلى حالة غض الطرف عن لوبيات الفساد ... وفي هذا الشأن موضوع خاص أكثر تفصيلاً ننشره لاحقاً ... مايهمنا هنا هو أننا نسأل ما الذي تحقق للشعب وللبلاد جراء تنفيذ برامج وحزم " الإصلاح " الاقتصادي – وفق وصفات البنك الدولي – والتي تم تنفيذها على مراحل منذ العام 1995م ؟؟؟
هل تحققت الأهداف المنشودة ؟ هل تغلبت الحكومة على معوقات التنمية وأخرجت البلاد من عنق الزجاجة ؟ هل تحسنت الظروف المعيشية الاجتماعية والاقتصادية لهذا الشعب ؟ هل حققت الحكومة إستراتيجية تنمية زراعية أو إستراتيجية أمن غذائي أو حتى مخزون غذائي؟؟
قطعاً ما تحقق هو العكس تماماً ... ويكفي في هذا الصدد العودة إلى المؤشرات والإحصاءات الرسمية، بما فيها بيانات الحكومة المسيَّسة والمكيَّفة ... كذلك العودة إلى قرار " الحكومة الرشيدة " بإدراج 10 مليون مواطن يمني ضمن شبكة الضمان الإجتماعي ، أي نصف سكان اليمن ، وهو إعتراف رسمي بأن من يعيشون تحت خط الفقر وفي فقر مدقع يتجاوز 50% من السكان ، لا كما تعلنه الحكومة في وسائل إعلامها ، كون ما يمكن أن توفره شبكة الضمان الاجتماعي للأسرة لا يزيد عن ألفين ريال شهرياً ما يعادل (10 دولار)، أكرر ليس للفرد وإنما للأسرة التي يزيد عدد أفرادها عن خمسة أشخاص.
إن دول الخليج الغنية التي يتمتع مواطنيها بدخول عالية تقوم بدعم المواد الغذائية (السعودية تدعم الحليب والأرز والقمح..) كذلك الإمارات والكويت ، ومصر كذلك تدعم القمح وتضاعف من مخصصات دعم القمح .. أما نحن فالدعم وفق برامج وروشتات البنك الدولي محرم على شعبنا بحجة أن الدعم يذهب إلى جيوب التجار والسماسرة !! فلماذا لا يذهب الدعم في السعودية ودول الخليج ومصر إلى جيوب التجار والفاسدين أيضاً ؟؟؟ ولماذا تتمسك هذه الدول بالسياسات الاجتماعية لصالح شعوبها ، بعكس حكومتنا التي تفتقر لأية رؤى إصلاحية أو تنموية ؟
دول الخليج تكافح زيادة الأسعار بالقانون وبقرارات حكومية وإجراءات عملية ، وتقوم بملاحقة ومحاكمة التجار المغالين والمتلاعبين بالأسعار وتطبيق العقوبات عليهم .. أما نحن فلا نسمع إلا الوعود والخطابات الرنانة التي كان آخرها خطاب الرئيس في الحديدة الذي يطمئننا بأن الأسعار سيتواصل ارتفاعها فقط حتى شهر يوليو 2008م ، وبعدها ستعود إلى ما كانت عليه !!! ربما وصلته تقارير من مستشاريه بأن الأمطار في الولايات المتحدة وأوروبا ستهطل بغزارة في يوليو القادم !!! أو أن الانتخابات البرلمانية قادمة.
لا أدري كيف تفهم الحكومة اقتصاد السوق ؟ هل يطبق نظام السوق فقط لدينا في اليمن ولا يطبق في مصر ودول الخليج والجزيرة المجاورة ؟ كيف نفهم خصخصة صوامع الغلال ليحتكر ملكيتها وبالتالي تجارة الحبوب بضعة بيوت تجارية لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة ؟ ما يعيق المنافسة الحرة ودخول مستثمرين جدد في تجارة واستيراد الحبوب ... كذلك الفساد المستشري ونهب موارد البلاد الشحيحة وخاصة سياسات الفساد المفجعة بفتح الاعتمادات الإضافية ( موازنات إضافية ) التي بلغت فقط خلال 8 سنوات ما يعادل 9.3 مليارات دولار كان يمكن لها أن